إنه يلقى الاهتمام .. في فرنسا ! جورج حنين

كتبهاSamir Gharib ، في 28 مارس 2006 الساعة: 00:07 ص

صدر منذ حوالي شهرين في باريس كتاب ضخم باللغة الفرنسية لكاتب مصري رائد وكبير . أليس هذا خبرا جديرا بالاهتمام في مصر ؟

إذن لماذا لم أقرأ ولم أسمع عنه أي كلمة في أي وسيلة إعلام مصرية رغم مرور هذه المدة ؟

هذا ليس بسؤال حائر ، إذ له إجابات شتى . كنت أتمنى أن تهتم وسائل إعلامنا ، بخبر صدور هذا الكتاب . فإذا لم يكن قد وصلها خبره ، كنت أتمنى أن يهتم به المكتب الثقافي أو الإعلامي في سفارتنا بباريس ، وبخاصة وأن بعض الصحف الفرنسية اهتمت بصدور الكتاب وعرضت له .   

بل إنني علمت بصدوره لأول مرة من صحيفة عربية هي جريدة الحياة اللبنانية التي تصدر في لندن، والتي أفردت له نصف صفحة . فكيف تهتم صحيفة لبنانية بكاتب مصري ولا تكتب عنه الصحف المصرية كلمة ؟

يتفاقم لدي الإحساس بالأسف لأنني أعرف قيمة هذا الكاتب جيدا ، وأعرف تأثيره في الإبداع الأدبي والفني الحديث في مصر . وأوضحت دوره بالتفصيل في كتابي " السريالية في مصر " الذي صدرت طبعته الأولى منذ عشرين عاما . فهو مؤسس هذا الاتجاه منذ الثلاثينيات من القرن العشرين. والذي انضوى فيه فنانون وكتاب كبار أمثال رمسيس يونان وفؤاد كامل وكامل التلمساني والبير قصيري وسمير رافع والشاعرة جويس منصور وكامل زهيري وغيرهم .

أعني الكاتب العبقري المصري جورج حنين .

فقد أصدرت دار نشر دينويل مجلدا من 1062 صفحة تحت عنوان " جورج حنين " يضم الأعمال شبه الكاملة من كتاباته المتميزة، التي تحار في توصيف كثير منها بين القصيدة والقصة والمقالة . وأقول شبه الكاملة لأن الكتاب لم يتضمن على سبيل المثال كثير من مقالاته التي نشرها في الصحف الصادرة بالفرنسية في مصر في النصف الأول من القرن العشرين ، وكذلك مقدمات مهمة كتبها في كتالوجات معارض بعض من زملائه .

قدم المجلد الشاعر الفرنسي الكبير " ايف بونفوا " الذي التقى بجورج حنين لأول مرة في باريس عام 1946 . كما كتب الصحفي المصري المقيم في باريس برتو فرحي مقدمة أخرى . أعد الكتاب كل من مارك كوبر ، ودانييل لانسون تحت إشراف بيير لافال .

ولد جورج حنين في 20 نوفمبر 1914 . أبوه هو صادق حنين باشا الذي كان سفيرا لمصر في أسبانيا وإيطاليا . وقد حصل جورج على الثانوية العامة من باريس ، كما حصل على ثلاث شهادات ليسانس من جامعة السربون في الحقوق والآداب والتاريخ .

في باريس تعرف على اندرية بريتون مؤسس الحركة السريالية العالمية ، وكثير من المبدعين فيها . وقد اقتنع جورج بأفكارها وكتب على منوالها . وادخلها في مصر بعد أن قدمها في عدة محاضرات ، ونشر عنها ومنها في عدة صحف ومجلات كانت تصدر بالفرنسية في القاهرة . واقتنع بها عدد من المبدعين المصريين الشباب الذين التفوا حوله وكونوا جماعة " الفن والحرية " في 9 يناير 1939 . أصدرت هذه الجماعة بعض المطبوعات من أهمها مجلة " التطور " الشهرية باللغة العربية ، وجريدة " دون كيشوت " الأسبوعية باللغة الفرنسية .

كان جورج الحنين منغمسا باستمرار في فعل الكتابة ، لكنه لم يهتم بإصدار الكتب .

أدخل موضوعات جديدة وأسلوبا جديدا . اختلط عنده الواقعي بغير الواقعي . كان يخلق واقعا غير واقع . وينحت التعبيرات المبتكرة بلا نهاية . يجوس في الحلم كما يشاء ويحرض .

استهل عامه العشرين بكتابة " تكملة ونهاية " التي بينت تباشير عبقريته الفكرية واللغوية . وفي فبراير 1935 نشر بيانه " من اللاواقعية " . وعام 1938 أصدر أول دواوينه " لا معقولية الوجود".

وفي مايو من عام 1947 انضم جورج حنين إلى سكرتارية الحركة الدولية للسريالية . وشارك بذلك في إصدار البيانات المعبرة عن أفكار ومواقف الحركة في العالم .

وفي عام 1956 صدرت في القاهرة مجموعة جورج حنين المعنونة " العتبة المحرمة " . لكنه لم يتحمل الإقامة في مصر بعد أن أممت حكومة ثورة يوليو ممتلكات أسرته وابعدتها عنها . فهاجر مع زوجته بولا حفيدة أمير الشعراء احمد شوقي إلى اليونان ثم إيطاليا حتى استقر في باريس . وهناك كتب عام 1967 مقدمة لكتاب ضخم " مختارات من الأدب العربي المعاصر " ، وشارك في " الموسوعة السياسية الصغيرة " التي صدرت عام 1969 . كما عمل في مجلة " الاكسبرس " الأسبوعية حتى مات بسرطان في الحنجرة قبيل فجر 18 يوليو 1973 .

لم يتذكر أحد في مصر جورج حنين منذ وفاته إلا في مرتين : عندما اصدر مجدي وهبة و29 من أصدقاء جورج كتابا تكريما له في الذكرى الأولى لوفاته. وعندما أصدرت كتابي " السريالية في مصر " عام 1986 . حتى مكتبته التي تركها في شقته في الزمالك أخذها المركز الفرنسي للترجمة التابع للسفارة الفرنسية في القاهرة حينما كانت ابنة برتو فرحي تعمل فيه منذ سنوات .

بعد وفاة جورج حنين أصدرت أرملته عدة كتب له ، منها " ملاحظات على بلد لا جدوى منه " ، "العلاقة الأشد إظلاما " و " الروح الضاربة " الذي نشر كيوميات للكاتب . لكن صديقي الكاتب والشاعر السريالي العراقي عبد القادر الجنابي يقول أن جورج حنين لم يكتب يوميات . بل كان يضمن مقالاته الصحفية أفكاره وتأملاته . وأن زوجته فبركت يوميات غير موجودة . فقد اقتطعت مقاطع من مقالاته ورسائله الشخصية ونشرتها على أنها يوميات . وهي مقاطع جميلة ومحكمة التفكير تذكر بنمط الكتابة النتشوية . ويذكر الجنابي أنه قال لزوجة جورج أن هذا تزييف للتاريخ . لكنها أجابته بأن هذا ليس شغلها وإنما شغل المؤرخين .  

وبالمناسبة فالجنابي – كما نشرت من قبل – هو الذي عرفني في باريس على إقبال العلايلي أو" بولا " زوجة جورج حنين وكانت مريضة بذات الداء . وقد أمدني معها بكثير من وثائق السريالية في مصر التي نشرتها في كتابي .

    نشر الجنابي ما نصه : " أشعر بفرح حقيقي أن جيلا من الكتاب المصريين الجدد وجدوا في جورج حنين ما يشحذ مخيلتهم نحو مجتمع أفضل ورؤيا جمالية متفتحة الآفاق . خصوصا بعد ظهور كتاب " السريالية في مصر " للصديق سمير غريب ".

جورج حنين والسرياليون المصريون أثروا أيضا في أدباء عرب ، منهم الجنابي نفسه الذي يذكر أن فكر جورج حنين كان له المكان الأعلى في جل نشاطه الأدبي وإصداراته الممنوعة في العالم العربي. 

بمناسبة ذكر كتابي ، فقد جاء الهجوم الوحيد عليه من المترجم النشط الأستاذ / بشير السباعي . ونشرت مجلة " القاهرة " هجومه العنيف ضدي نهاية عام 1987 على ما أذكر ، وكانت تصدر عن هيئة الكتاب التابعة لوزارة الثقافة . وكنت آنذاك مستشارا صحفيا لوزير الثقافة ! وكان محور الهجوم ما ذكره الكاتب من أخطاء في ترجمة قصائد لجورج حنين . 

ثم يكر الزمن ، وينشر الجنابي نقدا لاذعا لترجمة بشير السباعي لقصائد جورج حنين التي نشرتها دار الجمل في ألمانيا . ويقول الجنابي أن " أغلاط الترجمة موجودة في كل قصيدة ومقطع وفي كل عنوان ". ويدلل على ذلك بأمثلة عدة .

على كل حال فترجمة الشعر بشكل عام من أصعب الأمور ، ما بالكم بترجمة نص سريالي لشاعر مثل جورج حنين ؟ أعتقد أنه لا توجد ترجمة لقصيدة تتطابق مع اصلها وذلك لاختلاف اللغات والبشر. ترجمة الشعر بمعنى آخر هي الدخول في روح وعالم القصيدة بأقصى ما يمكن.

الخلاصة أن جورج حنين قام بدور مزدوج شديد الأهمية في تاريخ الإبداع المصري الحديث : فتح فيه عالما جديدا من الأفكار والتصورات والأساليب ذات الوهج الثوري والحالم في آن . وأدخل هذا الإبداع من جهة أخرى في آتون حركة الفن العالمية بما جعله جزءا منها ، وجعل مبدعين مصريين متميزين معروفين في أوربا ومشاركين في نشاطات ثقافية طليعية فيها .

ففضلا عن اندرية بريتون كان جورج حنين وزملاءه المصريين أصدقاء لأمثال : اندرية مالرو وهنري كالية واندرية جيد ونيكولا كالاس وبنجامان بيرية وساران الكسندريان الذي نشر كتابا بالفرنسية عام 1981 عن جورج حنين .

فأين نحن اليوم من هذا الزخم الرائع ؟ ومن يصادق اليوم من ؟

خطأ جورج حنين الوحيد هو أنه لم يجيد اللغة العربية ليكتب بها بسبب ظروف إقامته الطويلة خارج مصر . وخطأنا – منذ حياة جورج – حتى الآن أننا لم نترجم كتاباته وننشرها . وهاكم فرصة كبرى في صدور كتابه الأخير في باريس لترجمته . وأرجو أن يصدر عن المشروع القومي للترجمة في وقت قريب

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر