يوميات رحلة فرنسية : بين العرب والعمد

كتبهاSamir Gharib ، في 26 يوليو 2007 الساعة: 07:40 ص

(3) بعدما خرجت من مطار مدينة ليون الفرنسية ، أخذت تاكسي ، فكان سائقه شاب جزائري . وعندما أخذت الاتوبيس الكهربائي من الفندق الى مقر المؤتمر الدولي " للمدن الكوكبية " اندهشت لسماعي أغنية " سنة حلوة يا جميل " باللهجة المصرية تنطلق من مؤخرة الباص ، لاكتشف عيد ميلاد أقامته مجموعة من الفتيات العرب المراهقات لاحدى زميلاتهن وشمل التصفيق والرقص ، بل والزغاريت على الطريقة المغربية . والأجمل أن سائقة الباص التي تبدو من أصول عربية هي الأخرى هنأت صاحبة عيد الميلاد بالاسم عند نزول الفتيات من الباص . وعندما دخلت مقر المؤتمر مع زميلتي الاستاذة الدكتورة سهير حواس قابلنا أحد الحراس : رجل أسمر طويل قوية البنية ، وحيانا مباشرة باللهجة المصرية : " حمدا لله على السلامة " . وكان مصريا مقيما في ليون منذ خمسة عشر سنة .
وهكذا شعرت أنني في مدينة مختلطة فرنسية عربية . وهكذا أيضا يتغلغل المهاجرون العرب في كل انحاء فرنسا ، مما يؤثر بلا شك على التركيبة السكانية والمستقبل الثقافي والاجتماعي هناك .
من هنا تنطلق مخاوف الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي والتي عبر عنها قبل انتخابه عندما كان وزيرا للداخلية ، وتسببت تصريحاته في ثورة " أبناء الضواحي " وهم المهاجرون الشبان . والذين سارعوا الى إشعال الحرائق احتجاجا ، حتى في ميدان الباستي ( وينطق بالعربية خطأ الباستيل ) في قلب العاصمة باريس ، فور الاعلان عن فوز ساركوزي بالرئاسة . وشاءت الصدفة أن أشاهد جانب من احتجاجات الشباب في ميدان الباستي .
والغريب أن ساركوزي نفسه أحد أبناء المهاجرين . وهذه أول مرة يصل فيها ابن مهاجر الى الرئاسة الفرنسية . لكنه ابن مهاجرة من بولندا وليس من المغرب العربي . إلا أن ساركوزي ، شديد الذكاء بلا شك ، سارع بعد توليه الرئاسة بالقيام بعدة أمور لافتة للنظر فيما يتعلق بموضوع المهاجرين لتغيير صورته كعدو لهم . منها تعيين ابنة مهاجر جزائري كوزيرة للعدل ، وهو منصب مهم في الوزارة . وإطلاقه اقتراحا بانشاء الاتحاد الاوربي المتوسطي والذي يجمع الدول المطلة على البحر الابيض المتوسط . وهو اقتراح فيما لو وافقت عليه كل الدول المطلة سوف يجمع بين دول اوربية وعربية منها ليبيا مع اسرائيل وتركيا . وهذه الفكرة تحتاج الى مساحة مستقلة للحديث عنها .
(4) لاحقتني موضة استخدام المعادن وبخاصة الزجاج في العمارة الفرنسية المقامة خلال السنوات الأخيرة في مدينة ليون أيضا . وفوجئت بأن مقر المؤتمر يقع في مركز المؤتمرات وسط مجموعات متشابهة من المباني تمتد واجهاتها لاكثر من كيلومتر ، وبارتفاع حوالي ستة طوابق ، وكلها مغطاة بالزجاج . تجلى التناقض من كون هذه المساحات الزجاجية الكبيرة تطل على الحديقة الكبرى لمدينة ليون ومساحتها عدة مئات من الأفدنة . فبدا الصناعي الحديث بلا لون يتحدى الطبيعي القديم الأخضر. الغريب أن جدران واجهات هذه المباني مكسوة ببلاطات من الخزف الأحمر ، وهي فكرة جيدة ومبتكرة . ولا أدري لماذا لم يكتف المصمم بها ، ولماذا وضع عليها جدارا آخر من الزجاج الذي يزيد المشاكل البيئية صيفا وشتاءا بالنسبة لشاغلي هذه الوحدات ؟
ومن التناقضات ايضا أن " المؤتمر الدولي للمدن الكوكبية " الذي عقد داخل هذه المباني ، فيما بين 14 و 16 مايو 2007 ، كان واضح الاهتمام بالبيئة . سواء من خلال مشاركة رؤساء مؤسسات وعلماء مهتمين بالبيئة ، أو من خلال أبحاث وأوراق عمل نوقشت في المؤتمر . وكان الهدف المشترك هو التقليل من كم الطاقة المستخدم ومن نسبة ثاني أكسيد الكربون والملوثات المنبعثة ، ونشر أكبر كم من المساحات الخضراء .
وكانت تجربة مدينة لندن التي عرضت من أكثر التجارب أهمية ، والهادفة الى مستقبل بلا كربون . فلندن مدينة كبيرة وعريقة ولها طراز معماري متميز ، لكنها ككل المدن الكبرى في العالم تواجه تديا قاسيا من التلوث ، وتغير المناخ . ويهدف المشروع الذي بدأته لندن الى تقليل كمية ثاني اكسيد الكربون المنبعثة في جوها بنسبة 60% حتى عام 2025 . مقارنة بعام 1990 .
بالطبع لم أستمع إلى احصائية تتعلق بتلوث دولة القاهرة ، ولا إلى الخطط المعدة للخفض من هذا التلوث ، فلم يكن في المؤتمر ممثل لا للقاهرة ولا لغيرها من المدن المصرية . على كل حال لم يشارك في المؤتمر سوى خمسة من العرب فقط ، من بينهما اثنان من المقيمين في أوربا ، والدكتورة سهير حواس وكاتب هذه السطور ، وطارق قباج عمدة مدينة أغادير المغربية الذي بادرني ذات مساء بتعريفي بنفسه قائلا : " العمدة المنتخب لمدينة أغادير وليس المعين " !! وفي المغرب يسمون العمدة أو المحافظ : " رئيس المجلس الجماعي " . ويسمون المدينة نفسها : " الجماعة الحضرية " .
وعلى ذكر انتخاب العمد لن أنسى ملامح السيدة " هازل ماكالوين " ذات الثلاثة والثمانين ربيعا والتي أسعدتنا بالعشاء معنا في الحفل الذي أقامه عمدة ليون على شرف المشاركين في المؤتمر . فالسيدة هازل هي العمدة المنتخب لمدينة " ميسيسوجا " في ولاية اونتاريو بكندا . وهي الوحيدة في كندا التي تكرر انتخابها خمس مرات متتالية ، على مدى العشرين عاما الأخيرة . قالت لنا هذه السيدة الجذابة ذات الحديث الطلي أنها ما زالت تقود سيارتها بنفسها ، وأن متعتها الكبرى هي في زيارات أطفال المدينة لها بلا موعد . فلقد اعتاد الاطفال أن يتقابلوا في الشارع قائلين انهم ذاهبون الى
" هازل " . يدخلون عليها مكتبها وينادونها باسمها المجرد : " هاي هازل " .
واضطرت السيدة هازل أن تغادر المؤتمر قبل يومه الأخير لأن لديها موعدا مهما متعلق بمشروع في مدينتها .
من أبرز أحداث المؤتمر تلك الزيارة التي قمنا بها لأحد مصانع واحدة من كبريات شركات الإضاءة في العالم ، ويقع خارج مدينة ليون . لم ندخل المصنع ، لكننا حضرنا عرضا في ميدان مصطنع ، يتوسطه تمثال لمحارب يمسك بسيف ، وتحوطه عدة مبان مختلفة . كان العرض يهدف لتوضيح تأثير الإضاءة في الإحساس بالمكان وإعطاؤه سمة ومعنى . راينا أولا نوعا من أعمدة الإضاءة المختفية تحت الأرض ، وعندما يبدأ الظلام يخرج العامود من مكمنه ليرتفع ويضئ . وهذا حل لمشكل الفراغ الذي يشغله العامود . ثم يضئ العامود بلا أسلاك .
أخذ الخبير يشرح لنا تغير الإضاءة قوة ولونا وزاوية على كل واجهة . فالمبنى الواحد يمكن أن يعطي الاحساس بمستشفى أو بملهى ليلي أو بمبنى حكومي اداري طبقا للعوامل السابقة . وتمثال المحارب نفسه يمكن أن يعطي الاحساس بمحارب منتصر أو منهزم طبقا لقوة الاضاءة وظلالها ولونها . وهكذا كان درسا عمليا قيما في أهمية الإضاءة والإنارة الخارجية . وهو الفرع الذي نفتقد اليه بشدة في مصر . ولا يوجد لدينا إلا قلة قليلة تعد على اصابع اليد الواحدة من الخبراء فيه . وأحمد الله أنهم يشكلون أحدث لجنة علمية نوعية في الجهاز القومي للتنسيق الحضاري برئاسة الاستاذ الدكتور بهاء مدكور . ويقومون حاليا بتصميم إضاءة عدد من التماثيل في وسط القاهرة . وهذه المرة الأولى التي يصمم فيها إضاءة التماثيل في مصر خبراء متخصصون .
كما خصصت إحدى جلسات المؤتمر لمناقشة أهمية الإضاءة الخارجية في العمران ، جمعت بين تجارب وخبراء من فرنسا والمانيا . واعتبروا الإضاءة من عناصر تشكيل شخصية المدينة ، ليس فقط جماليا ، وإنما عمليا وأمنيا . ولقد فازت مدينة " لايبزج " الألمانية في العام الماضي بجائزة
" إضاءة المدينة " لتجربتها المتميزة وتخطيطها لاستراتيجية خاصة بإضاءتها . وأرجو أن يقيم الجهاز القومي للتنسيق الحضاري مثل هذا النوع من المسابقات ، وليبدأ بإضاءة ميدان أو شارع .
فالاضاءة جزء من الطابع المعماري . والمهم في الطابع المعماري ليس الشكل الخارجي فقط ، ولكن أيضا علاقة المبنى بمحيطه ، وعلاقته بالزمن ، وقدرته على مقاومة المتغيرات البيئية . علاقة المبنى مع الزمن تحوي في طياتها معان وأخبار عن ماض ولى ، وحاضر معاش .
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “يوميات رحلة فرنسية : بين العرب والعمد”

  1. سمير باشا

    كم الدنيا صغيره هاأنا القاك في رحاب النت سائح مثلي في ملكوت الحروف بعيدا عن الكراسي والسلطه ..باه لعلك تتذكر شخص يدعي احمد سماحه كان آخر لقاءلنا منذ15سنه تقريبا

    هكذا العمر ييمضي وهكذا اراك هنا ..سعدت ان اراك سمير غريب الذي أعرفه

    كل عام وانت واسرتك بخير



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر