لماذا تخفي سراجك تحت الغطاء ؟
كتبهاSamir Gharib ، في 26 يوليو 2007 الساعة: 07:39 ص
واليوم مع بعض من رسائل القراء التي تراكمت خلال الأسابيع الماضية . أبدأ برسالة طويلة من صديق قديم هو الفنان الكيميائي حسن فؤاد إبراهيم ، المشهور عندي بحسن خير الدين . مصور فوتوغرافي غير محترف ، حتى لا أقول هاو لأن صوره على قدر كبير من التميز الفني والتقني . لكنه لا يبيع صوره ولا يقيم معارض . فاجأني برسالة تعكس رؤيته لما يحدث في العمران المصري مدعمة بصورتين فوتوغرافيتين التقطهما عيناه المدربتان ، إحداهما من القاهرة والأخرى من الإسكندرية . غير ذلك حدثني حسن عن حل سهل لمشكلة تؤرقنا جميعا وهي مشكلة التخلص من مخلفات الطعام التي نرميها ، ويوضح حله بمعلوماته العلمية ككيميائي . كتب حسن :
" ما ينغص علي حياتي اليومية هي العشوائية التي حدثت في العاصمة التي أصبحت بلا جدال مدينة ناطحات القوانين . فقد ناطحت أبراجها الغبية قوانين التخطيط والذوق . وفي رأي أن فوضى إصدار تصاريح البناء هي المتسببة في هذه الاختناقات الرهيبة التي أرهقتنا جميعا . وليس السبب هو الزيادة السكانية التي تستخدم كشماعة . كان أولى بالمسئولين في كل الأحياء أن يراعوا الكثافة السكانية الموجودة أصلا والتي فاقت النسب المسموح بها لأي تجمعات سكانية قبل أن يسمحوا ببناء المزيد من هذه الأبراج الحمقاء .
" واسمح لي أن أترك هموم المدينة حيث أعيش إلى هموم قريتي جنة ذكرياتي وموطن أهلي . حين ذهبت إليها بعد غيبة فوجئت بترعتها الرئيسية وقد تحولت إلى مستنقع راكد آسن من النفايات وجحافل الذباب الأسود التي تذكرك بفيلم المخرج المشهور هيشكوك ( الطيور ) . توجهت إلى مكتب شئون البيئة في مجلس المدينة التي تتبعها قريتي لعلني أجد حلا . فوجدت حبلا ! أشفقت أن أضعه حول رقبة أحد من أبناء قريتي ، يتمثل في غرامة قدرها عشرين ألف جنيها ، فسحبت شكواي . ما حيلة هؤلاء البسطاء وأجهزة الدولة لم تيسر لهم أصلا وسيلة مشروعة للتخلص من نفاياتهم ؟ ".
" عدت وجلست مع كتابي – رفيقي – أبحث في تجارب الآخرين . وجدت أن حجم مخلفات الطعام والحدائق – باستثناء اللحوم ومنتجات الألبان – تبلغ 65 % من حجم كل النفايات . وهذه مخلفات يمكن تحويلها إلى أسمدة عالية الجودة بوسائل بسيطة بدلا من إلقائها في مدافن قليلة . لهذا علمت الدول المتقدمة مواطنيها كيفية فصل المخلفات ، وخلطها وتحويلها إلى أسمدة بطريقة نظيفة وصديقة للبيئة وبسيطة في الوقت نفسه . تعتمد هذه الطريقة على خلط بقايا الطعام ومخلفات المطابخ مع أوراق الشجر ومخلفات الحدائق أو الحقول ، والاحتفاظ بها في حيز رطب جيد التهوية ، وعند تقليب هذا الخليط ورشه بالماء لزيادة نسبة الرطوبة والأكسجين بداخله ، وتغطيته لفترة تقوم خلالها البكتريا بالعمل كله وتحوله إلى سماد ، لا يتجمع حوله الذباب ولا تنبشه القوارض . كذلك يمكن استخدامه كتربة لقصاري نباتات الزينة ، كما يمكن تصديرها . فحرام أن تستورد مصر هبة النيل تربة أو (بتاموس ) من الخارج . هكذا حولوا التراب إلى ذهب ".
وقد أرسل لي الكيميائي الفنان حسن فؤاد إبراهيم صورا فوتوغرافية من الخارج لطرق تحويل فضلات الطعام في المنازل إلى سماد . ومنها يسهل التأكد من نظافة هذه العملية وانتشارها في دول متقدمة . ولم يقتصر حسن على الصور الأجنبية ، بل بدأ بنفسه هذه التجربة في حديقة منزله في أقفاص الفاكهة المصنوعة من جريد النخيل . وسيبدأ أيضا في قريته . ويضيف قائلا :
" الريف المصري حديقة كبيرة مكتظة ، وما أحوجه إلى مثل هذه الأفكار التي يمكن أن تغير ملامحه. ودليل نجاح هذه الفكرة هي جهد المرأة المصرية المشهود لها بالحرص والصبر . كما أنها ليست بعيدة عن طبيعتنا كشعب اعتاد على الاستفادة من كل شئ حتى روث الماشية الذي كنا نخلطه بالتبن ونجففه ونحتفظ به فوق أسطح منازلنا ونسميها جلة بكسر الجيم ، حتى صار مثلا يشير إلى يسر الحال : ( الفرح الناير يبان من خزين الجلة ) .
" واختم كلماتي بكلمات أحببتها فحفظتها للكاتب الرائع الراحل الدكتور زكي نجيب محمود تقول : (قال المسيح عيسى بن مريم عليه السلام لمن توارى عن الجمع بشمعته استصغارا لشأنه : لماذا تخفي سراجك تحت الغطاء ؟ نعم يا أخي لقد أراد الله أن تكون للنور ، فلماذا تحجب عن الدنيا ما قد ألقى به ربك في قلبك من نور . إنه إذا خطرت في رأسك فكرة صالحة أعلنها في الناس شعاعا شجاعا يضاف إلى شعاع وألف شعاع . ليصبح ذلك كله في حياتنا سراجا وهاجا يفيض بالنور . وان كان في وسعك عمل تؤديه فيصلحك ويصلحنا معك ، فقم لساعتك وانجزه لينضم إلى عمل والف عمل ، فإذا بأرضنا وقد تبدلت غير الأرض ، وإذا بحياتنا تغيرت غير الحياة ) " .
بدوري أرجو أن يهتم القراء والمسئولين باقتراح الفنان حسن فؤاد ، وتجربته في تحويل فضلات الطعام إلى سماد. وهو على أتم الاستعداد لمساعدة من يهتم بتحقيق هذه التجربة بالشرح وبالصور . ويمكن لأي مهتم أن يتصل به مباشرة على بريده الإلكتروني : hassan.khair@gmail.com وشكرا جزيلا للصديق الكيميائي الفنان .
ومن قارئ سمى نفسه " الإسكندري المصري " تعليق على مذبحة الأشجار التي تمت في بعض شوارع الجيزة ، يقول : " نفذت محافظة الجيزة خطة وضعتها لإحلال وتجديد الأشجار المعمرة والجافة الموجودة في كورنيش النيل وشارع مراد والعجوزة والدقي . بعض هذه الأشجار تجاوز عمرها مائة عام وبررت المحافظة خطتها بالمحافظة على أرواح المواطنين وممتلكاتهم . علما بان جميع دول العالم تعنى بالحفاظ على أشجارها المعمرة التي هي روح الجمال والأصالة . وفي مدن أوربا أشجار يتجاوز عمرها 300 سنة ويتم الحفاظ عليها والاعتناء بها ، مثل أشجار السنديان في لندن والتي يصل عمر بعض منها إلى 400 سنة ولم يفكر أحد في إزالتها وقتلها . بل على العكس انهم يفخرون بهذه الأشجار التي تمد جذورها في الأرض وفروعها في السماء فتزداد ثباتا وصلابة . لقد مسخ جمال مدننا العمراني ، وضاق هواؤها بالتلوث فلم يبق لنا غير الأشجار تمثل الجمال وتسعى لمنحنا الهواء النقي " .
وبدوري اشكر المرسل على رسالته التي اتفق معها . ولا أعلم لماذا لا تستعين أي محافظة بعلماء زراعة الأشجار لدراسة حال الشجر الذي يؤرقها قبل قتله . فليس كل الشجر القديم يسقط . فضلا عن واجب الاعتناء به بدلا من ذبحه . وأرجو أن تفعل المحافظات أشياء أهم وأجدى للحفاظ على حياة البشر التي يخافون عليها من سقوط الشجر . هل سمعتم عن واحد مات بشجرة ؟ بل نسمع كل ساعة عن أكثر من واحد ماتوا بسيارة أو بقطار . فلماذا لا تمنعون سيارات وقطارات الموت بدلا من إزالة الأشجار ؟؟
طبعا لأن الأشجار تموت واقفة ، وفي صمت .
من القارئ أحمد عادل رسالة أخرى : " قرأت لكم منذ فترة المقال الرائع عن محل جروبي . أتمنى أن تكتب مقالا آخر عن معلم آخر من معالم قاهرة القرن التاسع عشر ، وهو مقهى ريش . فمسألة سعي اليهود لشرائه وشراء بعض العمارات بوسط البلد التي كانوا يقطنونها قبل هجرتهم من مصر مسألة خطيرة يجب التعرض لها . كما أظن أن الموضوع سيعجبك لصلة ريش بالحياة الثقافية والفنية. وكان من روادها الدائمين الشاعر أمل دنقل وقد قرأت أنه من الشعراء المفضلين لديك . أود أن أشير أيضا إلى رغبتي الشديدة في إعادة الرونق للمباني الجميلة في وسط البلد . فهناك مباني غاية في الإبداع المعماري ولكن تحتاج إلى طلاء وإبراز عناصرها المعمارية بوسائل إضاءة . أتمنى أيضا أن نرى في القاهرة مقاهي جديدة مثل ريش تعج بالفنانين والمثقفين وتكون مراكز ثقافية فنية . كما أتمنى أن تكون الأنفاق في مصر نظيفة وجميلة ، وأظن أن التكلفة بسيطة والتنفيذ سهل ".
أشكر السيد / أحمد عادل على أمنياته الجميلة . وأذكره أن كل أمنياته سهلة التحقيق بشرط واحد : أن يتوفر البشر الذين يحققونها . أما عن مقهى ريش فلها عندي – مثل كثير غيري من الكتاب والفنانين – ذكريات عزيزة . ومنها أنني تعرفت فيها على الشاعر الرائع أمل دنقل بعد أن تعرفت على شعره في مقهى آخر كان اسمه ماجستيك ، وكان مواجها لمحطة السكة الحديد في أسيوط ، وكان ملتقى لعدد من الأدباء الشبان جدا ، وهدموه فيما بعد !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























