التنسيق الحضاري وتشويه عمارة القصر العيني

كتبهاSamir Gharib ، في 26 يوليو 2007 الساعة: 07:36 ص

كان من المفترض أن أواصل اليوم يوميات رحلتي لفرنسا ، التي بدأتها في الأسبوع قبل الماضي ، ووصلت فيها عند بداية انعقاد المؤتمر الدولي حول المدن الكوكبية الذي عقد في مدينة ليون الفرنسية في الشهر الماضي . لكن التشويه الذي أصاب واجهة العقار رقم 69 بشارع القصر العيني جعلني أؤجل مواصلة اليوميات للتعليق على ما حدث لعمارة القصر العيني .
ملخص ما حدث لمن لم يعلم به أن أصحاب مطعم في العمارة قرروا أن يدهنوا واجهة العمارة المطلة على الشارع بلون أحمر فاقع وسخيف . وتركوا في الوقت نفسه الواجهة الجانبية للعمارة ذاتها على حالها . فزادوا من اختلاط الألوان وتنافرها في واجهات العمارة .
عندما علمت بما حدث كلفت الأستاذة الدكتورة سهير حواس رئيس الإدارة المركزية للبحوث والدراسات بالجهاز القومي للتنسيق الحضاري ومعها بعض من خبراء الجهاز بمعاينة العمارة وكتابة تقرير . وبناء على هذا التقرير أرسلت خطابا للسيد الدكتور عبد العظيم وزير محافظ القاهرة حول ما حدث للعقار ، وأهميته المعمارية حيث أنه من عمارة أوائل القرن العشرين . ورجوته أن يوجه بإعادة كل واجهات العمارة إلى ألوانها الأصلية الأولى عند إنشائها ، وكانت من الحجر ، كباقي العمارات المجاورة لها . وأن يراعى ذلك في المباني التراثية المتميزة الموجودة في القاهرة . ثم اتصل بي سيادته بعد ذلك واتفقنا على أن يتم التنفيذ تحت إشراف خبراء الجهاز .
لقد أعاد التشويه الذي حدث للعمارة إثارة موضوع التنسيق الحضاري بقوة . وهو موضوع مثار على كل حال منذ إنشاء الجهاز القومي للتنسيق الحضاري وبدء نشاطه الفعلي في نهاية عام 2004 . النقاش حول افتقادنا للتنسيق الحضاري في العمران المصري مهم ومطلوب ، والهدف ملح وهو تحقيق ما نفتقد إليه . لذلك لا يزعجني إطلاقا التساؤلات التي تنطلق من حين لآخر في وسائل الإعلام عن دور الجهاز . إذ أنني أفترض النية الحسنة لدى المتسائلين، وهي أن يجدوا دورا فعالا في حل مشكلات العمران ومنها افتقاد الذوق السليم والقيم الجمالية .
لكنني توقفت عند تناولين إعلاميين : الأول في إحدى الصحف اليومية ، والثاني في برنامج " البيت بيتك " .
لم يستطع مسئول تحرير الصحيفة اليومية أن يخفي السبب الشخصي وراء حملته على الجهاز . وهو قضية سب وقذف رفعتها على الصحيفة أمام محكمة الجنايات التي حكمت لصالحي بغرامة قدرها عشرون ألف جنيها لثبوت الجريمة . وتأسيسا على هذا الحكم رفعت قضية أخرى مطالبا بتعويض مدني لما أصابني من اضرار نتيجة نشر خبر كاذب متعلق بذمتي المالية في صدر الصحيفة . وقد وسط المسئول عن الصحيفة عددا من زملائي وأصدقائي لكي أتنازل عن التعويض . ورحبت بذلك بشرط واحد هو أن تنشر الصحيفة في ذات الصفحة وبشكل بارز اعتذار واضح عن نشر الخبر الكاذب ، وما سببه من إساءة لسمعتي ولتاريخي في العمل العام ككاتب وكأحد قيادات وزارة الثقافة المصرية على مدى العشرين عاما الأخيرة .
رفض المسئول عن التحرير نشر اعتذار واضح . فرفضت التنازل عن القضية . إذ كيف يجرؤ على السب ولا يملك شجاعة الاعتذار ؟ نتيجة لهذا يبدو أن المسئول عن التحرير قرر أن أدفع مقابل موقفي هذا تحمل هجوم متواصل علي من الجريدة . على كل حال ليست هذه المرة الأولى التي أهاجم فيها لأغراض شخصية أو لدسائس أو لعدم دقة المعلومات أو لغيرها من الأسباب . وكلما أقرأ مثل هذا الهجوم أتذكر أمرين :
الأول : الآية القرآنية : " أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " .
الثاني : موقف أحد مؤسسي صحف أخبار اليوم أستاذ الصحافة مصطفى أمين الذي أشار ذات مرة في عموده " فكرة " على إحدى الشخصيات التي نالها من الهجوم الشخصي الكثير أن يضع صفحات الهجوم تحت قدميه وسيجد نفسه قد زاد ارتفاعا .
لقد عملت في جميع المناصب التي توليتها في وزارة الثقافة بروح الصحفي وإحساس الكاتب . وهذا جعلني دائما اقدر وسائل الإعلام وزملائي من الإعلاميين . وجعلني في المقابل أتحمل كل ما ينشر عني من نقد أو من هجوم . إيمانا بأربعة مبادئ تمسكت بها طوال حياتي الوظيفية :
1-    أن من لا يعمل لا يخطئ .
2-    أن تحمل النقد هو ضريبة يجب أن يتقبل دفعها من يعمل بالعمل العام.
3- أن أبلغ رد على ما ينشر هو العمل وليس الكلام . فالكلام سهل ، وبخاصة على من كانت حرفته الأولى والأخيرة من أمثالي هي صياغة الكلمات .
4-  أنه طالما لا يدخل جيبي قرش حرام فلا أبالي . أسوة بقول الإمام الحسين " إلهي إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي " .
أما المعالجة الإعلامية الثانية والتي أدارها الزميل الإعلامي الشهير محمود سعد في برنامج " البيت بيتك " مساء الأربعاء الماضي فلا علاقة لها بالمعالجة الأولى . لكنني اندهشت من هجومه على الجهاز القومي للتنسيق الحضاري بمناسبة تشويه عمارة القصر العيني بحجة أن الجهاز " ما عملش حاجة " .
وليسمح لي الزميل العزيز – ونحن أصدقاء منذ كنت مديرا لصندوق التنمية الثقافية ورئيسا للمهرجان القومي للسينما المصرية – أن أعلق بما يلي :
1- أنه لم يتح فرصة للزميلة الأستاذة الدكتورة سهير حواس رئيس الإدارة المركزية للدراسات والبحوث في الجهاز لتوضيح ما عمله في الاتصال التليفوني معها .
2-    من المفروض أن نبدأ في النقد بعد أن نعرف المعلومات الصحيحة والمتكاملة ، وليس قبل أن نعرف .
3- هنا لن أتحدث عما عمله الجهاز ، ولكني أود أن أتحدث عن مشكلة نقص المعلومات . ومنها معلومة عامة شديدة الأهمية ،ربما لا يعرفها كثير من القراء . وهي أن المشكلة الأولى الأساسية في العمران المصري تتمثل في عدم تطبيق ما صدر بالفعل من قوانين ولوائح تنفيذية وقرارات . وسأعطي مثالين هنا :
الأول من تشويه عمارة القصر العيني . فما حدث لها كان يجب أن لا يحدث ، ليس بعد أن قام الجهاز القومي للتنسيق الحضاري ، ولكن منذ عام 1976 . ذلك لأنه في هذا العام صدر القانون رقم 106 لسنة 1976 " في شأن توجيه وتنظيم أعمال البناء " ، والمعدل بالقانون رقم 101 لسنة 1996 ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار وزير الإسكان والمرافق رقم 268 لسنة 1996 .
تنص المادة 26 مكرر على ما يلي : " يحظر على مالكي وشاغلي وحدات المبنى إجراء أي تعديل أو تغيير في الشكل أو اللون أو الطراز المعماري لواجهات المبنى إلا بعد الحصول على ترخيص في ذلك من الجهة الإدارية المختصة بشئون التنظيم " .
المادة واضحة . وبتطبيقها على عمارة القصر العيني كان لا يجب أن يحدث ما حدث بدون الحصول على ترخيص الجهة الإدارية وهي هنا الحي التابعة له العمارة .
الجهاز القومي للتنسيق الحضاري لم ولن يكون جهة إصدار ترخيص . مهمته الأساسية هي تحقيق القيم الجمالية في العمران المصري بتطبيق أسس ومعايير معينة قام خبراء الجهاز بالفعل بصياغتها ، وهي تنتظر صدور قانون التنسيق الحضاري لتطبيقها ، وبترويج ثقافة التنسيق الحضاري .
ليس للجهاز مهندسين في كل أحياء مصر ، ولن يكون فهذا فوق طاقته وواجباته ، لرصد المخالفات التي تتم في العمران في كل شارع وحارة . لكن هذا – قانونا – من واجب أجهزة الأحياء والمدن والمحافظات . وواجب جهاز التنسيق الحضاري أن يقدم كل عون ودعم ممكنين لها .
المثال الثاني : التشويه المتزايد من طوفان الإعلانات الذي لم يحدث في أي دولة أخرى غير مصر في العالم المتقدم والعالم غير المتقدم . المعلومة هنا أن جزءا كبيرا من وقف هذا التشويه لم يكن ينتظر الجهاز القومي للتنسيق الحضاري . بل كان يمكن أن يحدث منذ عام 1956 . ففي ذلك العام صدر القانون رقم 66 " بشأن تنظيم الإعلانات ، ولائحته التنفيذية " . في مواد هذا القانون معالجة لجوانب كثيرة تخص أنواع وأشكال الإعلانات المختلفة . بالطبع تطورت هذه الأنواع والأشكال بعد صدور هذا القانون . هذه التغيرات يعالجها دليل أسس ومعايير الإعلانات التي وضعتها اللجنة النوعية العلمية للإعلانات بالجهاز برئاسة الأستاذ الدكتور طارق والي . ولكن أهم المتغيرات التي حدثت في مجال الإعلانات في مصر هو الكثرة المخيفة لعدد شركات الإعلانات وتوحش مصالح عدد منها في مقابل ضعف جهة الإدارة أمامها وغياب تطبيق القانون .
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “التنسيق الحضاري وتشويه عمارة القصر العيني”

  1. الحقيقة ان الجهاز القومى للتنسيق الحضاري منذ بدأ نشأته وقد حمل على عاتقه اكثر مما يحتمله فعند انشائه تصور الكثيرون ان الدنيا ستتغير وان مصر هتبقى حلوة ولم يفطن الكثير الا انه من المستحيل تغيير ماحدث من تدهور كبير جدا فى العمران خلال عشرات السنين في سنة اواتنين او عشره حتى بالاضافة الى التدهور الذى مازال مستمر حتى الان ولا نعرف متى سيتوقف المشكلة كبيرة جدا كما لو انه رجل يعيش وبه امراض مزمنة من القلب للرئه للعين للمخ للاطراف والمطلوب ببساطة هو شفائه من كل هذه الامراض ويرجع حلو وصغير تانى طب ازااااااااى

  2. يرجع شباب تانى ازاى والله سؤال فعلا حلو اننا مش كل شويه نقوله انت حالتك ميئوس منها بلعكس لازم يكون عندنا امل لاننا لو عملنا غير كده يبقى احنا بنموته بأدينا يبقى نبطل شويه تشاؤم ناخد الموضوع بجد شويه على شان الموضوع مهم فعلا انا شايف من وجهه نظرى اننا ندى للدكتور الجديد ده دوره ونساعده ونشجعه انو يعلجنا وانا بقول يعلجنا لاننا كلنا محتاجين للدكتور ده غنى وى فقير والفقير بلأخص ازاى ؟ لو جينا للغنى نقوله انك لو هتبنى جديد انك ترجع وتراجع شكل مبناك مع الناس الى مسؤلة عن الشكل الجمالى فى مصر والناس دى تشوف مدى توافق المبنى مع المنطقه المحيطه بيها يعنى متجيش فى منطقه اغلب مبانيها طابع اسلامى وى جوامع قديمه وتقولى انك هتبى برج لونه احمر!!!!! نيجى للفقراء الى احنا بنسمى مناطقهم عشوائيات لو واحد غلبان عايز يبنى بيت هيعمل ايه ؟ ارفع اى حاجه بأى شكل وى خلاص لا انا بقول ان ميخدش رخصه الا ما يرجع للجهاز القومى للتنسيق الحضارى ليه هل هيحصل كده على شان نعقدها فى وشه لا هيروح والجهاز يديله تصميم لشكل واجهه مناسب بألوان مناسبه للمنطقه وى ببلاش يعنى بدل ما يكلف نفسه عند مهندس الجهاز يوفرله ده وى بكده قدرنا نقول ان الى جاى هيكون ان شاء الله كويس سعتها اكيد هيكون حافز للبيوت المجاوره للبيت الجديد ده انها على الاقل تلون واجهه البيت ولو ممكن كمان الجهاز يوفر ده نكون شاكرين فعلا وكده نكون انقذنا الراجل الى انت موته ده بس نسيب الدكتور ياخد فرصته منموتوش هو والدكتور !!!!!!!!!!!!



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر