ثورة 23 يوليو .. مرآة شخصية (1).
كتبهاSamir Gharib ، في 26 يوليو 2007 الساعة: 07:31 ص
ولدت بعد قيام ثورة يوليو 1952 في مدينة منفلوط بمحافظة أسيوط بصعيد مصر. وعيت على طفولة سعيدة . كنت وحيد أبوي رحمهما الله . دخلت مدرسة ابتدائية كانت تقع على تخوم المدينة بالقرب من حدائق وحقول ومقام من حجرة واحدة لولي من أولياء الله الصالحين اسمه الشيخ الصياد . لذلك سميت المدرسة باسمه . لكن بعد التحاقي بالمدرسة غيروا اسمها إلى مدرسة " التحرير " . كانت هذه أول إشارة لنا كأطفال على قيام ثورة يوليو. فهذا الاسم ينطبق على اسم أول تكوين سياسي شكلته ثورة يوليو بعد إلغائها الأحزاب السياسية : " هيئة التحرير " التي تشكلت في الذكرى الثانية لقيام الثورة .
كبرنا قليلا ، أصبحنا نتلقى دروسا عن هذه الثورة . حاول الأستاذ محمد حسنين مدرس اللغة العربية ومعلمي الأول تبسيطها لنا . لا أذكر الآن من شرحه شيئا . لكن حياتنا كأطفال لم تتغير نتيجة لقيام ثورة يوليو . ظللنا نذهب إلى المدرسة كل صباح مرتدين المريلة من قماش التيل السميك ، يقترب لونها من الأصفر . وهذه المريلة توحد بيننا وبين البنات ، مثلما توحد بيننا " المخلة " وهي حقيبة من قماش التيل أيضا. بالطبع لا أدري اليوم لماذا اختاروا هذا الزي لنا . هل لرخص ثمنه ؟ لكن هذا الزي كان يسري على أولاد الفقراء وأولاد الأغنياء معا .
فهل لهذا الاختيار علاقة بثورة يوليو كعلامة على انحيازها للفقراء ؟ لم أسأل هذه الأسئلة وقتها بالطبع لعدم وعي بها . ولكني الآن أتصور أن السؤال يحتاج إلى جواب ممن بحثوا في التاريخ الاجتماعي لثورة يوليو . إلا أننا كأولاد تجاوزناه إلى القميص والبنطلون ، بينما احتفظت البنات بالمريلة .
لم نكن وقتها نعرف المدارس الخاصة ذات المصروفات التي تكتسح تعليمنا الآن في كل مراحل التعليم . ربما كان " الكتاب " ، بضم الكاف وتشديد التاء ، هو المدرسة الخاصة في ذلك الوقت .
فـ " الكتاب " الذي اختفى من حياة أطفالنا للأسف كان مكانا يذهب إليه الأطفال ليحفظوا القران على يد شيخ . ومن خلال حفظ القرآن كان الشيخ يعلم القراءة والكتابة على لوح من الصاج وبقلم من البوص يغمس في دواية من الحبر . لكن مصروفات هذا الكتاب كانت زهيدة جدا لا تقارن بمصروفات مدارس اليوم . بل كان هناك أطفال يسددون مصروفاتهم خبزا أو جبنا ، وهذا ما لا يقبله مدرسو اليوم ! ولقد ذهبت إلى " الكتاب " قبل أن أدخل المدرسة . وكان له الفضل الأول في تعليمي القراءة والكتابة .
لم نكن ندفع مصروفات في مدرستنا الابتدائية ، ليس بسبب ثورة يوليو ، ولكن بسبب طه حسين وزير المعارف العمومية ، الذي بدأ مجانية التعليم في مصر قبل الثورة بعامين ، وأعلن شعاره الشهير "التعليم كالماء والهواء " .
عززت ثورة يوليو من هذا الشعار فضمت التعليم الجامعي إلى مجانية التعليم التي بدأها طه حسين . لكننا اليوم بعد مرور خمسة وخمسين عاما من قيام ثورة يوليو فقدنا عمليا مجانية التعليم سواء التي بدأها طه حسين قبل الثورة ، أو تلك التي طبقتها الثورة . لماذا؟ سؤال آخر يحتاج إلى خبراء التاريخ الاجتماعي لتلك الثورة .
كان من المفروض أن أكون أول أطفال جيلي وعيا بقيام ثورة يوليو ، لو كنت أعي معنى الثورة في ذلك الوقت . فلقد قام أبي بهجرة عكسية بسبب ثورة يوليو . كان مقاول بياض من أبناء حي مصر القديمة في القاهرة : معلم ابن معلم . لكنه سافر إلى منفلوط لبياض أول مستشفى في المدينة وأقامتها حكومة الثورة . ربما قبل الانتهاء من بياض المستشفى بدأ والدي في بياض أول مدرسة من ثلاث مدارس أقامتها الثورة في منطقة واسعة كانت مهملة ، وكانت بالقرب من منزلنا الأخير في منفلوط ، والكائن في شارع تغير اسمه بالتأكيد بعد قيام الثورة إلى شارع الجمهورية . أتذكر الآن فقط أنه كان علي أن أسأل عن اسم هذا الشارع قبل قيام الثورة ؟
للأسف لا أذكر الآن ماذا كانت عليه تلك المنطقة قبل بناء المدارس . لكن الذي أذكره أن ثلاث مدارس متجاورة بيضاء اللون موحدة الشكل بنيت في تلك المنطقة . واحدة إعدادية وثانية ثانوية والثالثة تجارية . والمدارس الثلاث أطلقوا عليها اسم أحد رواد الأدب الحديث في مصر وابن منفلوط: مصطفى لطفي المنفلوطي . وهكذا لم يستطع والدي أن يعود إلى مسقط رأسه في القاهرة . كنت قد ولدت ، وتواصلت أعمال أبي في منفلوط ، ثم في القرى المجاورة لها في إنشاء مدارس ومستشفيات لأول مرة . وكأن والدي قد وقع عقدا مع الثورة للعمل في منشآتها الجديدة للخدمات التعليمية والصحية . وعشت سنوات عمري في المدينة حتى أنهيت دراستي الثانوية وأتيت إلى القاهرة لأحقق حلمي في دراسة الصحافة . وعاش والدي هناك حتى ماتا رحمهما الله .
بدأ وعي بالثورة يتفتح . لا أذكر الآن كل وقفات تفتح هذا الوعي . لكني أذكر مثلا من بواكيرها مشاركتي في عرض قام به تلامذة المدارس في شوارع المدينة في أحد أعياد ثورة يوليو الأولى. كان المشرف على نشاط مدرسة التحرير الابتدائية الأستاذ رشدي رحمه الله . كان طويلا عريضا من قرية النخيلة . اختار عدد من تلامذة المدرسة وجعل كل تلميذ منهم يرتدي الزي القومي لأبناء بلد عربي . لنخرج في العرض ممثلين لكل الدول العربية . لا أعرف لماذا اختار لي الزي اليمني . مازلت محتفظا بصورة فوتوغرافية لنفسي بين زملائي الأطفال وكأننا في الجامعة العربية ! مع الفارق أن ممثلي الدول العربية في الجامعة العربية لا يرتدون اليوم أزياءهم الوطنية في اجتماعات الجامعة !
اليوم أيضا أفهم لماذا قمنا وقتها بهذا العرض . كنا في أوائل الستينيات . وكان جمال عبد الناصر زعيم الثورة ورئيس الجمهورية قد اختار التوجه القومي العربي ، وأصبح زعيما لما كانت تسمى "الأمة العربية " . وبدأ سلسلة من الأحداث الكبار في هذا التوجه : الوحدة مع سوريا عام 1958 وتغيير اسم مصر إلى الجمهورية العربية المتحدة . مساعدة ثورة الجزائر حتى تحريرها من الاستعمار الفرنسي واستقلالها عام 1962 ، واحتضان احمد بن بللا زعيم الثورة الجزائرية وأول رئيس للجمهورية المحررة . إرسال جيش مصري إلى اليمن لتخليصها من حكم الإمام وتحويلها إلى جمهورية . وأنتجت مصر فيلما روائيا باسم " ثورة اليمن " لا يذكره أحد ، بطولة عماد حمدي وماجدة وصلاح منصور .
عاد الجيش المصري من اليمن على عجل ليدخل في حرب يونيو 1967 التي خسرناها أمام إسرائيل، وغير ذلك من الأحداث الكبار . لذا كان طبيعيا أن نرتدي ونحن أطفال أزياء الدول العربية ونخرج في استعراض عام ليرانا أهالي منفلوط الكرام فنساعد على تعميق معرفتهم بالشعوب العربية وانتماءهم للأمة العربية التي يخاطبها الزعيم .
أتذكر من طفولتي أيضا مما له علاقة بثورة يوليو أمرين :
- كانت هناك مساحة شاسعة من الأراضي الزراعية تقع بين ميدان " القلعة " على مشارف المدينة وقتها ، ومحطة القطار . كانت المياه تغمر هذه المساحة في وقت معين من السنة فتتحول إلى بحيرة كنا نراها خلابة . ثم فجأة لم تعد المياه تغمر الأراضي . رأينا زرعا طوال العام . ذلك لأن الثورة حولت نظام الري من الحياض إلى الري الدائم بعد إقامة السد العالي في أسوان .
- مشهد الأستاذ عبد اللطيف الطرزي يجلس بجسده " الربع " ووجهه الأبيض الوسيم ، في "الساحة الشعبية " التي أقامتها الثورة في أرض خالية على مشارف المدينة أيضا . ضمن مشروع الثورة للعناية بالشباب والرياضة . وكانت الساحة تتكون من ملعب كرة قدم ومبنى يضم الإدارة وصالة تنس طاولة وصالة العاب قوى وكافتيريا ومكتبة . وقد تغير اسم الساحة إلى " مركز شباب " . كان الطرزي هو المشرف على الساحة الشعبية ، والمحبوب منا .
المهم أن عبد اللطيف الطرزي كان أحد ضحايا الثورة . فعائلته اعتبرتها الثورة من الإقطاع وصادرت أراضيها الزراعية وتركت لهم فقط مائة فدان ، و" السراية " التي يقيمون فيها . وبنت عائلة الطرزي مسجدا كبيرا بعد قيام الثورة كنت أذهب إليه مع شيخ الكتاب ، مؤذن المسجد ، المرحوم أحمد الطواب . ولم أسمع أبدا من فم عبد اللطيف الطرزي كلمة تسئ إلى الثورة . متعه الله بالصحة والعافية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 3rd, 2008 at 3 سبتمبر 2008 7:28 ص
فى خلال الثلاثين عاما الماضية تعرضت مصر الى حملة منظمة لنشر ثقافة الهزيمة - The Culture of Defeat - بين المصريين, فظهرت أمراض اجتماعية خطيرة عانى ومازال يعانى منها خمسة وتسعون بالمئة من هذا الشعب الكادح . فلقد تحولت مصر تدريجيا الى مجتمع الخمسة بالمئه وعدنا بخطى ثابته الى عصر ماقبل الثورة .. بل أسوء بكثير من مرحلة الاقطاع.
هذه دراسة لمشاكل مصرالرئيسية قد أعددتها وتتناول كل مشاكلنا العامة والمستقاة من الواقع وطبقا للمعلومات المتاحة فى الداخل والخارج وسأنشرها تباعا وهى كالتالى:
1- الانفجار السكانى .. وكيف أنها خدعة فيقولون أننا نتكاثر ولايوجد حل وأنها مشكلة مستعصية عن الحل.
2- مشكلة الدخل القومى .. وكيف يسرقونه ويدعون أن هناك عجزا ولاأمل من خروجنا من مشكلة الديون .
3- مشكلة تعمير مصر والتى يعيش سكانها على 4% من مساحتها.
4 - العدالة الاجتماعية .. وأطفال الشوارع والذين يملكون كل شىء .
5 - ضرورة الاتحاد مع السودان لتوفير الغذاء وحماية الأمن القومى المصرى.
6 - رئيس مصر القادم .. شروطه ومواصفاته حتى ترجع مصر الى عهدها السابق كدولة لها وزن اقليمى عربيا وافريقيا.
ارجو من كل من يقراء هذا ان يزور ( مقالات ثقافة الهزيمة) فى هذا الرابط
http://www.ouregypt.us/culture/main.html