الوطنية : علي الشلقاني نموذجا
كتبهاSamir Gharib ، في 26 يوليو 2007 الساعة: 07:29 ص
لا يعرف كثير من الشباب في مصر الأستاذ علي الشلقاني الذي توفي مؤخرا . هذه خسارة تضاف إلى خسائر أخرى منها : أن أمثال الشلقاني يتناقصون بشدة ، فيخسر الوطن شبابا لا يقرأ ولا يعرف، وكبارا لا يعوضون بسهولة . فلقد كان علي مناضلا وطنيا مخلصا لمصر ، ومفكرا ، وإنسانا نبيلا محبا للناس وللحياة . من حظي أن عرفته ، ومن سوء حظي أنني عرفته متأخرا ، منذ ما يقرب من تسع سنوات فقط ، كنت أتمنى لو عرفته منذ طفولتي لزاد ما تعلمته أضعافا .
عرفني عليه صديقنا المشترك بهجت النادي المفكر المصري المقيم في باريس . رأيت علي الشلقاني للمرة الأولى في بيته الصيفي في العجمي القديم بالإسكندرية . من اليوم الأول شعرت معه بألفة ومحبة . أصبحنا أصدقاء رغم فارق السن . أخذتني شخصيته الآسرة بصوته العريض وطريقته المميزة في الكلام ، مع فكره الواضح ومعلوماته الغزيرة وثقافته العميقة وحبه للحياة . له سمات الأستاذ الذي يستطيع بمهارة وتلقائية أن يتواصل مع تلاميذه ويصادقهم بصدق . وهو بالفعل أثر في كثير ممن حوله . زادت محبتي له عندما علمت بمرضه . إذ لا يمكن أن تعرف من كلامه أو سلوكه أي شئ يدل عليه. زاد في التمويه جسمه الطويل العريض . كان يواجه المرض بسلاح الحياة ، وكان حيويا حتى في مرضه .
عندما كنت أنصت له متحدثا كان يذكرني بالفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت من القرن السابع عشر في منهجه العقلاني للمعرفة ، القائم على ضرورة البرهان قبل الإيمان ، والتفكير كدليل على الوجود، ووضوح الفكرة كشرط للإقناع .
يجب أن تسجل حياة على الشلقاني للتاريخ ، وللشباب في الأجيال القادمة ليستفيدوا منها . هذه المساحة لا تكفي بالطبع لرواية هذه الحياة . ومن أسف أن علي نفسه لم يكتب مذكراته . ولد علي عبد الفتاح الشلقاني في 18 فبراير 1923 في أسرة ميسورة الحال . درس القانون والاقتصاد في مصر وفرنسا . حصل على بكالوريوس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1943 ودبلوم في القانون العام عام 1945، ودبلوم في الاقتصاد من جامعة القاهرة عام 1946 ، ودبلوم في الاقتصاد السياسي من جامعة باريس عام 1950 . نبغ في التحكيم الدولي وعقود المقاولات واتفاقيات الشركات والمشروعات المشتركة حتى عد من الخبراء الدوليين في كل ذلك .
هو ابن الأسرة الثرية اختار الماركسية فكرا وطريقا للنضال والدفاع عن الفقراء ، كما فعل عدد من أقرانه مثل المرحوم المفكر محمد سيد أحمد . شارك في شبابه المبكر في دار الأبحاث العلمية ، وكانت ملتقى اليساريين الشبان . كما شارك في جريدة " الجماهير " اليسارية بل كان يشارك في توزيع نسخها بسيارته الصغيرة .
لعبت علاقته بالأستاذ خالد محي الدين دورا مهما في حياته ، فقد كانا زميلي دراسة منذ الابتدائية وحتى الثانوية . وعندما أسس خالد جريدة المساء في أكتوبر 1956 تولى علي رئاسة قسم الأبحاث الصحفية ، وعندما تولى خالد رئاسة مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم تولى علي منصب نائب رئيس مجلس الإدارة . وعلي هو الذي عرف خالد على الدكتور رفعت السعيد الذي تولى رئاسة حزب التجمع بعد خالد محي الدين .
اشترك علي في النشاط والكتابة مع مجموعة من مفكري وكتاب مصر اليساريين أمثال عبد العظيم أنيس ولطفي الخولي وإسماعيل صبري عبد الله وعلي الراعي ومحمود أمين العالم . كانوا شبابا واعدين اتفقوا مع ثورة يوليو في عدائها للاستعمار وخطواتها الإصلاحية لإنصاف الفقراء . على الرغم من أن الثورة زجت بهم في المعتقلات ومنهم الشلقاني ، مثلما زجت بالإخوان المسلمين ، فجمعت في معتقلاتها بين اليسار واليمين .
لما كان صديقنا بهجت النادي يعرفه منذ نصف قرن رأيت أن أطلب منه أن يكتب لي عن علاقته بعلي الشلقاني ، فحكاية هذه العلاقة هي جزء من تاريخ كل منهما ومن تاريخ مصر المعاصر ، فكتب لي بهجت :
" التقيت لأول مرة بعلي في أكتوبر 1956 . كان لقاءا تاريخيا جاء أثناء العدوان الثلاثي على مصر وبسبب هذا العدوان . كنت لا أزال طالبا في كلية الطب بجامعة القاهرة ، وكنا تجمعنا في حرم الجامعة لنعلن غضبنا ونطالب بالسلاح لمقاومة المعتدين . فهددونا بإطلاق النار علينا وطردنا بقسوة من حرم الجامعة !
" كنت أيامها على هامش الحركة الشيوعية . جاءنا عرض من السلطات المسئولة بتجنيدنا وإرسالنا إلى منطقة القناة لمقاومة قوات الاحتلال ، فقبلنا . لا زلت أذكر رحلتنا من القاهرة إلى منطقة القناة ، وغارة الطائرات المعادية على محطة الإذاعة قرب القاهرة . شهدناها متفرجين عاجزين عن إطلاق رصاصة واحدة على تلك الطائرات التي بدت في نزهة قاتلة في سماءنا .
" كان لقائي الأول مع علي الشلقاني في طويحر حيث اجتمعنا في ذلك المعسكر . بدا لي وجوده في هذا المكان غريبا : فلم يكن طالبا مثلنا ، ولم يكن في سننا . بل كان رجلا رزينا هادئا يليق بمكتب أنيق . قضينا أياما في المعسكر أتيح لي فيها التعرف على صديق آخر هو المرحوم فيليب جلاب . وسمعت من الشلقاني بعض من ذكرياته عن مساعدته لعبد الناصر ولحركة الضباط الأحرار في تلك الأيام التي كانت فيها حركة سرية . أخذت هذه الحكايات وقتها على أنها نوع من المبالغة لأتبين فيما بعد أنها لم تتعد الواقع .
" اختفى على الشلقاني من حياتي بعد عودتي من طويحر وحتى مارس 1959 ، حين القي القبض علي وقدمت إلى النيابة . سألني المحقق عن حياتي وما فعلته ، فذكرت له مشاركتي في معسكر طويحر كدليل على وطنيتي . فسألني عمن كان معي فذكرت بعضهم . وكنت كلما ذكرت اسما كان المحقق يبتسم ويقول أن صاحبي قبض عليه في يناير 1959 ، وكان علي الشلقاني من بينهم .
" لم يبق علي في المعتقل زمنا طويلا مثله في ذلك مثل لطفي الخولي ولطف الله سليمان وقلة أخرى. مرت الشهور والأعوام ، وانتقلت مع عادل رفعت إلى فرنسا . وانقطعت علاقتنا بكثير من الأصدقاء، حتى توفي عبد الناصر واستقر السادات في الحكم . فبدأنا نلتقي ببعض الأصدقاء أثناء زيارتهم لباريس . ولا أدري لماذا تشكل في ذهننا ثالوث واحد من لطفي الخولي ومحمد سيد احمد وعلي الشلقاني . فكنا إذا رأينا أحدهم تصورنا أننا رأينا الآخرين . كنا نعجب بلطفي ونحب محمد منذ أيام المعتقل . إلا أننا أعدنا اكتشاف علي الشلقاني ونحن نعيش خارج مصر فأحببناه أدهشتنا إيجابيته وانفتاح افقه .
" رأينا أن ديكتاتورية البروليتاريا لم تكن ولن تكون الحل النموذجي لأي مجتمع . وكان علي قد اقتنع أن الطريق الوحيد لنهضة مصر هو إعطاء الشباب فرصة الاتصال بأحدث منتجات الفكر العالمي دون قيود أو تحيز، كما فعلت الحضارة الإسلامية في القرن التاسع . فدعانا لان نختار معه مجموعة من الكتب وعددا من المترجمين وتولى هو الإنفاق على الترجمة والطبع والتوزيع . كما كان أول من دعانا للاهتمام بالعولمة في بداية الحديث عنها ألح علينا أن نبحث له عما صدر عنها من كتب .
" كنا نعجب به وباهتماماته المتعددة وبحثه عن حلول لمشاكل مصر . وكنا نتساءل عن سر هذه القوة التي تحركه ونود أن نحوز جزءا من طاقته . كان لقاءه متعة . قلت له يوما أن سبب حب الناس الذين يعرفونه له أنه لا يحاول أن يلعب دورا مصطنعا . بل كان دائما على سجيته دون حرج . وإذا وعد صدق " .
ما كتبه بهجت النادي صحيح لمسته بنفسي . كان علي سخيا كريما متواضعا عزيز النفس يساعد الناس في صمت وبأشكال مختلفة . من هذا الكرم والتواضع ما فعله معي شخصيا أواخر عام 2001 وأوائل عام 2002 ، وكنت أمر بأزمة كبيرة من تلك الأزمات التي سببتها لنفسي نتيجة لتمسكي بمبادئ آخذة في الانقراض . كنت أذهب إليه لأحكي تطورات أزمتي وأعرض عليه ما معي من مستندات واستمع إلى نصائحه . ذات مرة نصحني بكتابة مذكرة . ولم يكتف بذكر عناصرها، بل دعاني إلى عشاء في مطعم فاخر ، وفوجئت في هذا العشاء بأن كتب بنفسه وبقلمه المذكرة على وجهي مظروف كبير كان معي . ورغم أنني لم استخدم هذه المذكرة ، إلا أنني سأظل محتفظا بهذا المظروف ذكرى لشخصية عظيمة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























