وكفى المبدعون شر الخيال !
كتبهاSamir Gharib ، في 26 يوليو 2007 الساعة: 07:12 ص
هل يمكن أن يتكرر نموذج السريالي عبد القادر الجنابي في العالم العربي الآن ؟؟
هو لم يوجد في العالم العربي من قبل . نشط وبرز في فرنسا منذ سبعينيات القرن الماضي . لكنني أشك حتى في تكرار نموذجه في فرنسا الآن . العالم آخذ في التصحر . حرية الفكر باتت تضيق فيما كان يعرف بالعالم الحر . فما بالك بالعالم الذي لم يكن حرا لقرون ؟
موجات التدين الهستيري تلف البقاع ، متطرفون ظهروا من الغرب تسببوا في ظهور متطرفين في الشرق . اصبح الصراع الآن بين متطرفين ومتطرفين . ظهر الشيخ أسامة بن لادن فرد عليه المقدس جورج بوش . انتشر الحجاب في فرنسا فردت عليه الدولة بقانون يمنعه . ظهر النقاب في بريطانيا فكون إنجليز جماعات ضده .. نشرت صحيفة دانمركية رسوما مسيئة للمسلمين فأشعل مسلمون حرائق .. وأخيرا وليس آخرا أفتى مفتي استرااليا المصري الأصل بأن المرأة غير المحجبة كاللحم العاري يحرض على التحرش بها جنسيا؟! فطالب أستراليون بترحيله .
أين يمكن أن تمارس حرية الخيال التي مارسها عبد القادر الجنابي وأمثاله ؟؟
العالم يتراجع بعدما كنا نتغنى بالتقدم العلمي ، وننتقل من ثورة التكنولوجيا إلى ثورة المعلومات .
من الواضح أن مثل هذا التقدم كان على حساب الروح . تقدم الجسد ، وغاصت الروح في الأوحال .. لست ثنائيا ، لا أفصل بين جسد وروح . أنا ممن يؤمنون بتكامل الكائن الحي . نشوة الجسد تشعر بها الروح ، ونشوة الروح تتغلغل في الأجساد . لكن غباء البشر الموهومين بسحر العلم فصلوا جسد الإنسان عن روحه .. وتخيلوا أنه عندما يطير رجل الفضاء إلى القمر يجتث روحه من الأرض !
في ظل الهوس الديني لا مكان لخيال إلا لخيالات الجنة والنار . وفي ظل هذا الهوس يفوز التجار : تجار الدين وتجار السياسة وتجار السلاح وتجار البشر .. يفوز هؤلاء التجار على حساب البشر ، وعلى حساب البشرية .
يزداد العالم جهلا وفقرا وظلما لأن التجار مشغولون بإشعال الحروب الدينية أو بادعاء محاربة المتطرفين الدينيين . يجد المواطن العادي نفسه محاصرا بين فساد الحكام ونار المتطرفين . فيسكت عن الفساد خوفا ، أو يلجأ إلى التطرف كرها .
هل هذا عالم فيه متسع لخيال ؟
الإجابة الظاهرة بلا . ولكني أدعو إلى مقاومة فقر الواقع بغنى الخيال .
من العبث أن نعيد إنتاج الواقع المر في فن واقعي مر هو الآخر . نريد أن نتجاوز الواقع بخيال يغيره. لن يتغير الواقع إلى أفضل بلا خيال يسبق التغيير ويواكبه . حدث ذلك في ظهور ووهج كل الحضارات القديمة والحديثة . مراجعة لتاريخ الحضارات الفرعونية والهندية والبابلية واليونانية والرومانية تؤكد ذلك . مثلما يؤكده ازدهار الأدب العربي مع ازدهار الحضارة الإسلامية ، وظهور الرومانتيكية بكافة فروعها الرمزية والتأثيرية والسريالية وحتى الخيال العلمي مع ظهور وازدهار الحضارة الغربية الحديثة. فماذا يزدهر على الساحة الفنية في عالم اليوم في الغرب والشرق ؟
أكاد أجيب بلا جديد . لأن الخيال كاد أن يصيبه العطب . فالعالم منشغل بفرض سلطة الآخرة على الدنيا .
هناك سيوف مشهرة ضد المبدعين : سيف التحريم ، وسيف التكفير ، وسيف الموت . ما جعل كتابا يقتلون ( فرج فودة ) وأدباء يتعرضون للقتل ( نجيب محفوظ ) وشعراء يتوقفون ( أحمد عبد المعطي حجازي ومحمد عفيفي مطر ) ، بل ومفكرين يتراجعون ( منصور فهمي وسيد القمني ) ، وكتابا يمنعون ( نجيب محفوظ ولويس عوض ) وآخرون يصادرون ( كثيرون ) ، ومبدعون يوءدون قبل أن يبدعون ( لا أستطيع حصرهم )!
هذه مجرد أمثلة ، فمن يغامر بنفسه في هذه الهستريا ؟ ومن يحمي المبدع ويحمي له خياله إذا كانت سلطتا الدين والدنيا تقفان له بالمرصاد مجاملة لبعضهما أو خوفا من بعضهما ؟ وليذهب المبدع إلى الجحيم . فالجحيم أأمن من إبداعه !
السلطة – أية سلطة – لا تحب المبدعين . السلطة تجذب المتسلطين وتحب الخاضعين . السلطة تضع المبدعين أحيانا كزخرف في حفلاتها ، أو كديكور لالتقاط الصور . أما إذا وقف المبدع ضد السلطة فستحرق الزخرف وتحطم الديكور . ونحن أخبر من غيرنا بهذا الوضع . تراث السلطة عند العرب مزدحم بالأمثلة . الشاعر عند السلطان له المال إذا مدح ، وله الموت إذا قدح .
فماذا يفعل من لا يريد المال ولا يستعجل الموت ؟
لا يبدع .. وكفى المبدعون شر الخيال .. فبئس المآل .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























