متى يكون لهذا الليل غده ؟؟؟
كتبهاSamir Gharib ، في 14 نوفمبر 2006 الساعة: 16:52 م
تناولت ظاهرة انتشار النقاب والحجاب عدة مرات حتى الآن ، وفي كل مرة كانت تصلني رسائل مؤيدة لانتشارهما وأخرى معارضة . لكن الذي لفت نظري هو استخدام كثير من الرسائل المؤيدة للشتيمة التي وصلت في بعض منها إلى البذاءة . رغم أنني اعتمدت في كل مقالة على حجج وأسانيد علماء ذكرتهم بالاسم وذكرت كتبهم . مما يجعل من الضروري طرح هذا السؤال : لماذا يلجأ بعض ممن يتصورون أنفسهم أنهم يدافعون عن الدين إلى الشتيمة ضد من يختلف معهم في الرأي ؟؟
في محاولة الإجابة أذكر لكم بعضا من الأمثلة :
عادة لا أرد على رسائل الشتيمة . ولكن رسالة وصلتني بعد مقالة الأسبوع الماضي جعلتني أرد على راسلها . بدأ المرسل رسالته بسبي مباشرة . ثم كتب سطرين يتساءل فيهما لماذا ذكرت رأي الشيخ محمد الغزالي في النقاب ولم أذكر رأيه في الحجاب . لم يكتب الراسل اسمه الحقيقي ، ولم يذكر عنوانه . مما يدل على خوفه من محاسبته على جريمة السب . لكنني اهتممت أكثر بتناقض واضح في رسالته بين الشتيمة والسؤال . الشتيمة لا يقرها دين ولا قانون ولا أخلاق ، بينما السؤال مشروع تماما .
هذا التناقض جعلني أعتقد أن كاتب الرسالة شاب ضل الطريق إلى آداب الحوار في الإسلام ، ولم يعمل بالآية الكريمة من سورة النحل " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين " ، فقررت أن أرد عليه .
شكرته على رسالته وسألته إن كان سبه لي من آداب المخاطبة في الإسلام ؟ فوجئت بالرسالة الثانية منه في منتهى التهذيب . بدأها بالسلام عليكم واعتذر كما قال " عن الإساءة في المخاطبة فهذا ليس من الإسلام في شئ " .
خلاصة هذه التجربة أن أمثال هذا الشاب لم يتعلموا الشجاعة ليذكر اسمه الصريح وعنوانه من جهة، ومن جهة أخرى لم يجدوا من يحاورهم بالحسنى ، ولم يجدوا من يهتم بتربيتهم على آداب الإسلام . وهذه نتيجة غريبة ، ذلك لأن المساجد تمتلئ بالخطباء ، ووسائل الإعلام بكل أنواعها تزدحم بالدعاة، وبخاصة الدعاة التلفزيونيين المشهورين كنجوم السينما، والذين لهم اتباع كثر من الشباب ومن سيدات المجتمع .
كيف تجتمع الظاهرتان : نقص في الأخلاق وكثرة في الدعاة ؟؟ لابد أن هناك حاجة غلط ! (بالمناسبة الكلمتان الأخيرتان فصيحتان ) . ربما نعثر على هذه الحاجة الغلط في الرسالتين التاليتين :
الرسالة الأولى في الأغلب من شاب آخر . فالشباب يشكلون الأغلبية العظمى للمتعاملين مع البريد الإلكتروني . هو لم يذكر اسمه أيضا ، ولم يضمنه حتى في عنوانه الإلكتروني ، مما يدل على خوفه من الإفصاح عن نفسه . إذن كيف نتعامل مع خائفين ؟ الإسلام يحض على الشجاعة . سيرة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام وسير الخلفاء الراشدين والصحابة سير في الشجاعة. هل لا يعرفون العادل أبي بكر ، ولم يقرءوا حياة أول أمير للمؤمنين عمر بن الخطاب ، أو إمام الشجعان علي بن أبي طالب ؟ ولم يسمعوا عبارة سيف الله المسلول خالد بن الوليد الشهيرة " فلا نامت أعين الجبناء"؟؟
الإسلام ليس في حاجة إلى هؤلاء الجبناء . من يدافع عن الإسلام عليه أن يقول هاأنا ذا .
المؤكد أنه إذا قال هاأنا ذا لن يسب أو يشتم . لأنه سيتبع تعاليم القرآن أولا ، وسيخاف من محاسبة القانون ثانيا . وهنا نكون قد خطونا خطوة في نصرة الإسلام ، بالتربية السليمة والأخلاق الحميدة .
أعود إلى الرسالة . ماذا كتب الشاب الذي أغفل ذكر اسمه ؟ إنه بصراحة أهدر دم أحد العلماء المسلمين كنت قد عرضت لكتابه في إحدى مقالاتي ونالني من هذا العرض من السباب ما يكفي لليأس من الكتابة . وقد ادعى الشاب على العالم ما لم يحدث . فلقد ذكر أن العالم مؤلف لعدة كتب عن السفور والتبرج في التاريخ ، بينما الحقيقة أنه لم يكتب عن التبرج ، بل كتب عن السفور والنقاب كتابا واحدا هو الذي عرضت له . وذكر الشاب أن العالم هو أستاذ لمادة تاريخ النظم ، بينما الحقيقة أنه أستاذ لتاريخ وفلسفة القانون . ثم نسب الشاب للعالم كلاما لا يعقل أن يقوله ملحد علنا في مصر ، الرسالة كلها تدل على جهل الشاب بالعالم ، لكنه يصل في النهاية إلى تكفيره . فماذا بعد التكفير ؟ بالطبع فرض الحد على الكافر . ومن يكون هذا الشاب أو غيره لكي يكفر إنسانا آخر ؟
انتقل إلى الرسالة الأخرى :
هذه المرة كتبت المرسلة اسمها الصريح ومقر عملها . ذكرت أنها دكتورة في كلية الآداب . فماذا كتبت لي الدكتورة ؟
طلبت مني أولا الابتعاد تماما عن الحديث في موضوع يخص الدين أو الفتوى وأن اترك الدين لعلمائه . وأنا لم أتعرض لأية فتوى من جهة . ومن جهة أخرى هي لا تعرف أن الدين الإسلامي الحنيف نفسه لم يطلب مني أو من غيري الابتعاد عن موضوع يخصه . كما أنها لا تعرف أن الدين الإسلامي الحنيف بالذات لم يخص فئة معينة من الناس بالحديث فيه أو عنه . الدين الإسلامي بالذات لا يعرف الكهنوت ولا مصطلح " رجل الدين " . مسلمون هم الذين نصبوا عليهم رجال دين وليس الإسلام . ازدهرت أحوال المسلمين عندما كان باب الاجتهاد مفتوحا ، وانحدرت أحوالهم مع غلقه . هذه حقائق تاريخية لا تعرفها الدكتورة . ومع ذلك فأنا حتى لم اجتهد فيما تعرضت له . لقد عرضت فقط لآراء علماء معروفين . نختلف معهم أو نتفق فهذا لا يقلل من قدرهم ، ولا يدعو لتكفيرهم . ومع ذلك نجد من يكفرهم ويسبني . يا لبؤس الواقع .
ثم تتهمني الدكتورة بأنني لا أقرأ القرآن ! وهذا يدل على أنها لم تقرأ لي من قبل . لكنها تنصحني في نهاية مقالها بأن علي فقط الاهتمام بوظيفتي كرئيس للجهاز القومي للتنسيق الحضاري التي لا ترى فيها فائدة على حد قولها .
هنا أيضا أقف أمام تناقض : فالدكتورة تعرف وظيفتي ، ولا تعرف كتاباتي . لكنها في الحالتين تهاجمني والسلام .
هي لا تعرف عني أن وظيفتي الأولى هي الكتابة . بدأت بها وواصلتها وسأموت عليها إن شاء الله . هي لا تعرف أنني أنشر كتاباتي منذ أكثر من ثلاثين عاما ، وربما كانت في الابتدائية أو الإعدادية عندما بدأت في النشر .
ومن أدب رسالة الدكتورة أنها تصف الزميلة الكاتبة إقبال بركة بـ " الست " . وتطلب مني الإجابة على سؤال " دون تمثيل دور الورع منذ الصبا " !! فماذا تعلم الدكتورة طلبتها بالضبط ؟؟ وبعد كل هذا تطلب الدكتورة مني عدم إهمال رسالتها !! ولقد فعلت .
هاتان الرسالتان نموذجان آخران على بؤس الواقع الذي نعيش فيه ، وإفراز لتناقضات قصوى يعيشها المجتمع المسلم للأسف الشديد ، ليس في مصر فقط ولكن في طول بلاد المسلمين وعرضها . حيث تنتهك حرمات وأعراض وأرض في فلسطين وأفغانستان والعراق والصومال والشيشان. وتعيش شعوب مسلمة تحت قهر سياسي وفقر اقتصادي وتخلف اجتماعي وثقافي . وبدلا من العمل على قهر القهر والفقر والتخلف يضع البعض المرأة هدفا لمعاركهم .
معارك المسلمين يجب أن تكون لتغيير الواقع البائس في بلادهم أولا قبل فرض النقاب أو الحجاب على النساء المسلمات . تغيير الواقع وليس التهديد كما حدث مع نائبة في البرلمان الألماني من اصل تركي ، والتي طلبت حماية الشرطة لها مما تتعرض له من تهديدات بسبب رأيها المعارض للحجاب. وليس في إنشاء شرطة دينية كما حدث في ماليزيا ، حيث دخلت هذه الشرطة على زوجين أجنبيين بعد منتصف الليل لتطلب منهما رؤية قسيمة زواجهما، فتنشر الصحف الحادثة وتصبح فضيحة .
لنوحد بدايات الأعياد عندنا كبداية بسيطة على توحيد جهود المسلمين في تغيير الواقع البائس ، ولا ندع للخلافات السياسيات بين حكام المسلمين تفرض نفسها على الشعوب المسلمة . ليحترم بعضنا البعض ولا نفعل مثل هذا المسئول في أحد المطارات المصرية الذي راى جواز سفر سائح سيرلانكي مسلم فتهكم عليه بترديد كلمة "سريلانكي .. سيريلانكي " . فسأل رفيقه المصري عن سر تصرف المسئول . فاضطر الرفيق للكذب عليه حتى لا يخجل منه ويحرجه أيضا !!
أصدقائي القراء .. هناك أولويات . وأولها أن نصنع مستقبلا مشرقا بدلا من الغرق في ليل الإحباط واليأس الذي ننام فيه ونصحو عليه . فمتى يكون لهذا الليل غده ؟؟ أقيام الساعة موعده ؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : متى | السمات:متى
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























