فرنسا الحرية والإخاء والمساواة .. في خطر
كتبهاSamir Gharib ، في 23 نوفمبر 2006 الساعة: 16:17 م
أبرز حدثين خارجيين وقعا في الأسبوع الماضي هما : حرائق فرنسا الدامية ، وتفجيرات عمان الإرهابية . للتذكرة فإن حرائق فرنسا بدأت في إحدى ضواحي باريس التي تقطنها أغلبية من أصول عربية ومسلمة وأفريقية . عندما اختبئ شابان من أصل عربي في حجرة للكهرباء في الشارع ظنا أن البوليس يطاردهما فصعقا وماتا . خرج المئات من الشبان الغاضبين إلى الشارع طالبين الانتقام . وأخذوا في تكسير واجهات المحلات وحرق السيارات . تصدى لهم البوليس . اتسعت المواجهات وأحداث التخريب والحرق . اندلعت أعمال العنف في ضواحي وأحياء أخرى في العاصمة ، وانتقلت إلى عدة مدن فرنسية . سمحت الحكومة بإعلان حالة الطوارئ في مناطق العنف لأول مرة منذ حرب تحرير الجزائر منذ ما يقرب من نصف قرن .
أما أحداث عمان فتتلخص في وقوع تفجيرات إرهابية في ثلاثة فنادق في العاصمة الأردنية . قال البوليس الأردني أنها تفجيرات انتحارية أسفرت عن مقتل عشرات وجرح مئات من الأشخاص . أعلن بيان منسوب لتنظيم القاعدة مسئوليته عن التفجيرات .
هناك بالطبع عناصر اختلاف بين أحداث فرنسا وعمان . لكن هناك عناصر مشتركة منها :
- ارتكاب جرائم ضد ضحايا أبرياء لا ذنب لهم ، ولا علاقة لهم بالمبررات أو الأسباب التي ادعاها الجناة لارتكاب جرائمهم ، أيا كانت هذه الأسباب .
- بل هناك مفارقة أو سخرية سوداء تمثلت في خسائر مؤكدة وقعت على عدد كبير من العرب والمسلمين في ذات المناطق التي اشتعلت فيها الحرائق وأعمال التخريب في فرنسا حيث تقطن أغلبية عربية ومسلمة ، وفي عمان حيث كان معظم الضحايا من الأردنيين والفلسطينيين والسوريين ، منهم مصطفى العقاد المخرج العربي العالمي من أصل سوري وابنته ، اللذان جاءا ليشاركا في فرح ، قتلا فيه . وهذه ذروة سخرية الإرهابيين الدامية . مصطفى العقاد لمن لا يعرف هو مخرج فيلم (الرسالة) أكبر وأفضل فيلم عن الإسلام ، وهو أيضا مخرج فيلم ( عمر المختار ) عن المجاهد الليبي الكبير بطل ثورة تحرير ليبيا ضد الاستعمار الإيطالي .
- أن شبانا عربا ومسلمين شاركوا في ارتكاب الجرائم على الرغم من اختلاف المبررات المعلنة لهم بين فرنسا والأردن .
هذه العناصر المشتركة وغيرها تحتاج إلى دراسات علمية من متخصصين للبحث فيها . والوصول الى حلول كي يتمكن العالم من القضاء على الإرهاب ومنع إشعال الحرائق . فهذه العناصر المشتركة تعني بين ما تعنيه أن عربا ومسلمين أصبحوا مشكلة كبرى لأنفسهم ولبلادهم وللبشرية . وكلما انتشر العنف وزاد الإرهاب ضاقت مساحة الحرية على المجرمين ، ولكن أيضا وللأسف الشديد على الأبرياء أيضا . وسوف أركز ما يلي على الحالة الفرنسية .
قال الشباب الغاضب من سكان الضواحي والأحياء الفقيرة أن مبرراتهم تتمثل في إهمال الحكومة الفرنسية لهم ، مما أدى إلى تفشي البطالة والفقر وسوء الخدمات بما فيها التعليم في هذه الأحياء . وقال مراقبون أن المشكلة تتمثل أيضا في عدم اندماج هؤلاء السكان في المجتمع الفرنسي . والاندماج من وجهة نظري هو ظاهرة ثقافية أساسا . تخص شخصا أجنبي أو منحدر من أصل أجنبي هاجر إلى فرنسا وأقام بشكل دائم في مجتمع مختلف عن مجتمعه الأصلي . ويعني الاندماج أن يتحدث هذا الشخص لغة المجتمع الآخر وأن يمارس عاداته وتقاليده وأن يقتنع بأفكاره الأساسية وأن يعبر عن هذا الاقتناع في سلوكه . وهذه بالضبط هي مقومات الثقافة وتعريفها الذي أكرره كثيرا . فالثقافة من وجهة نظري هي ( تراكم معارف وخبرات ، واقتناع بأفكار وآراء ، نعبر عن كل ذلك بسلوك محدد ) .
فإذا كانت أحداث العنف في فرنسا ناتجة عن عدم اندماج المهاجرين أو أبناءهم في المجتمع الفرنسي ، فمن المسئول عن ذلك ؟ هل هي الحكومة الفرنسية أم المجتمع الفرنسي أم المهاجرين أو أبناءهم ؟
الواقع أنه يجب أن يكون الجميع لأن لكل منهم واجبه في حدوث الاندماج ، وإن تفاوتت درجات المسئولية . فالحكومة وافقت على إقامة المهاجرين وأبناءهم في بلدها ، والمجتمع تعامل معهم . وهم أيضا لا يريدون الحياة داخل مناطق معزولة ( معسكرات أو جيتو ) بدليل أنهم يطالبون الحكومة بتوفير فرص عمل ورفع مستوى المعيشة والخدمات في أحيائهم . وتحقيق هذه المطالب لا يمكن أن ينجح بدون اندماج المهاجرين وأبناءهم في المجتمع بعناصره الثقافية .
أرجو أن تنجح فرنسا شعبا وحكومة في أسرع وقت في التغلب على الخطر الذي يهددها من الداخل ، لأسباب موضوعية وشخصية :
- أن فرنسا بلد أول ثورة تحمل الشعار الثلاثي ( الحرية والإخاء والمساواة ) . وهي الثورة التي حدثت عام 1789. والتي حطم فيها الثوار سجن الباستي رمز الظلم والقهر . ورغم تناقضات هذه الثورة التي أنجبت نابليون بونابرت ، ورغم تقلبات الزمن والأحداث على فرنسا ، إلا أنها حاولت باستمرار الحفاظ على شعار ثورتها فأصابت وخابت كسائر أمور الحياة . وكانت باريس ملجأ لكثير من حركات التحرير فيما يسمى بالعالم الثالث من دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية . ولمئات من الحركات الدينية والثقافية والعرقية في العالم .
- أن فرنسا كانت من أكثر الدول انفتاحا على المهاجرين وبخاصة من الدول الناطقة باللغة الفرنسية من العرب والأفارقة . لكن انفتاحها أيضا شمل كل أجناس الأرض . ومنحت الجنسية الفرنسية لملايين من الأجانب . حتى وصل عددهم اليوم إلى أكثر من ستة ملايين شخص . وأتاحت لهم فرص العمل حتى وصلت نسبة العاملين بينهم إلى أكثر من سبعين في المائة . وربما تدفع فرنسا اليوم ثمن هذا الانفتاح . أو أنها تدفع ثمن تعثر جهود اندماج المهاجرين وأبناءهم في المجتمع .
- أن فرنسا من أكثر الدول الأجنبية التي وقفت مع الحقوق العربية منذ حرب يونيو 1967 وحتى اليوم . والوقوف هنا نسبي بالطبع ، فلا نستطيع أن نطالب الأجنبي بأن يكون عربيا. وفرنسا هي الدولة الأوربية الوحيدة التي أنشأت معهدا للعالم العربي . ومن الدول التي وقفت بقوة ضد غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق .
- أن الإسلام هو الدين الثاني في فرنسا بعد المسيحية . ويصل عدد الفرنسيين المسلمين إلى اكثر من خمسة ملايين مسلم . وهناك أكثر من 3500 مسجد في المدن الفرنسية ، وهناك وزراء في حكومات فرنسية متعاقبة من أصول عربية مسلمة.
الأسباب السابقة لا تعني أن فرنسا جنة المهاجرين . فهناك كثير من الفرنسيين المتعصبين ضد المهاجرين ، أو من يصفونهم بالعنصريين . وهذه ظاهرة مفهومة أيضا . فلا يمكن أن يكون المواطنين جميعا على نفس الدرجة من الوعي والثقافة والتسامح بحيث يرحبون جميعا بالمهاجرين . وقد تجلت ظاهرة التعصب هذه في ذروتها عند حزب الزعيم المتطرف " لو بن ".
- شخصيا عشت في باريس لما يقرب من أربع سنوات منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي . وأشهد أنني لم أعان من العنصرية إلا قليلا . بل رأيت آلاف الفرنسيين يشاركون في المظاهرات المؤيدة للعرب وبخاصة تلك التي اندلعت عقب غزو إسرائيل للبنان واحتلال بيروت . وشاهدت مقر منظمة التحرير الفلسطينية في باريس تحت حماية البوليس الفرنسي من اكثر مقرات المنظمة نشاطا في العالم . ورأيت الإمام الخميني يعد لثورته الإيرانية من باريس . وعملت في مجلة أسبوعية عربية هي (المستقبل ) يرأسها لبناني من أصل فلسطيني هو المرحوم الأستاذ نبيل خوري ، وكان مقرها في أفخم الشوارع الباريسية (جورج سانك ) . وكان حي هذا الشارع يضم في وقت من الأوقات اكثر من خمسة صحف ومجلات عربية عقب هجرة الصحافة اللبنانية من بيروت . وكان زملائي في الدراسات الحرة بجامعة السوربون من عشرات الجنسيات . وكنت أتردد على المقاهي المجاورة للجامعة في الحي اللاتيني يوميا وسط آلاف من الأجانب منهم الكثير من الكتاب والأدباء والفنانين . من المصريين فقط كان يقيم في باريس في تلك الفترة الأعلام : محمود أمين العالم واحمد عبد المعطي حجازي وآدم حنين وجورج البهجوري والمرحوم طاهر عبد الحكيم وغيرهم . ومن العرب من يصعب حصرهم . و لا يمكن أن أنسى أن باريس عرفتني على من أدخلاني عالم السريالية العربية وهما العزيزين : المرحوم علي بن عاشور ، وعبد القادر الجنابي .
فسلاما على باريس .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فرنسا | السمات:فرنسا
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























